ترى الكاتبة كارلا ديفيز أن مصر تعزز ارتباطها بالمؤسسة العسكرية السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، رغم تعقّد المشهد الميداني واستمرار الحرب الأهلية، وهو ما يضع القاهرة أمام رهان سياسي وأمني قد يحمل مخاطر متزايدة إذا أخفق الجيش السوداني في استعادة السيطرة على البلاد أو فرض تسوية مستقرة.


ويشير موقع مودرن دبلوماسي إلى أن وزارة الخارجية المصرية أعادت التأكيد على موقفها الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، مع تشديدها على دعم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، ورفض أي محاولات لإنشاء كيانات أو حكومات موازية، وهو موقف يعكس تمسك القاهرة بالبرهان ومجلس السيادة في ظل استمرار الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع.


الدوافع المصرية بين الأمن القومي ومياه النيل


يرى التقرير أن اللغة الدبلوماسية الهادئة تخفي قرارًا سياسيًا واضحًا، إذ اختارت القاهرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 الوقوف إلى جانب الجيش السوداني سياسيًا، بينما تحدثت تقارير عدة عن أشكال مختلفة من الدعم الأمني والعسكري، رغم نفي السلطات المصرية أي مشاركة مباشرة في القتال.


وتنظر مصر إلى استقرار السودان باعتباره قضية ترتبط مباشرة بأمنها القومي، إذ تخشى اتساع موجات اللجوء، وانتشار تهريب السلاح، وظهور جماعات متشددة على الحدود الجنوبية. كما يحتل ملف مياه النيل موقعًا محوريًا في الحسابات المصرية، خاصة بعد تصاعد الخلافات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي، وهو ما دفع القاهرة إلى تعزيز التنسيق الأمني والعسكري مع الخرطوم خلال السنوات الماضية.


ويضيف التقرير أن العلاقات الشخصية والمؤسسية بين رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي والفريق عبد الفتاح البرهان أسهمت أيضًا في توثيق التعاون بين الجانبين، إذ تلقى البرهان جزءًا من تدريبه العسكري في مصر، ويحافظ على علاقات وثيقة مع القيادات العسكرية المصرية. كما تنسجم هذه السياسة مع توجه مصري طويل الأمد يفضل دعم الجيوش المركزية على حساب تجارب الانتقال المدني التي تراها القاهرة مصدرًا لعدم الاستقرار.


حياد معلن ودعم عملي للجيش السوداني


تؤكد مصر رسميًا أنها ليست طرفًا في الحرب، وتكرر التزامها بعدم التدخل، مع التركيز على الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية واستضافة ملايين السودانيين الذين فروا من القتال.


لكن التقرير يرى أن الفاصل بين الحياد والمشاركة غير المباشرة أصبح أقل وضوحًا، بعدما توسعت العلاقات العسكرية والاستخباراتية بين البلدين منذ عام 2019. كما تداولت مراكز أبحاث ووسائل إعلام إقليمية معلومات عن غارات جوية مصرية استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع، إضافة إلى مزاعم تحدثت عن تقديم طائرات مسيرة ودعم تكتيكي للجيش السوداني، وهي اتهامات نفتها القاهرة باستمرار.


ويخلص التقرير إلى أن طبيعة التعاون القائم توحي بوجود مظلة أمنية توفرها مصر للجيش السوداني، وهو ما يتجاوز، وفق رؤية الكاتبة، حدود الحياد الذي تعلنه الحكومة المصرية.


رهان محفوف بالمخاطر ومستقبل غير محسوم


يحذر التقرير من أن اعتماد القاهرة شبه الكامل على البرهان والقوات المسلحة السودانية قد يحمل مخاطر سياسية كبيرة، لأن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة دون أن ينجح أي طرف في حسمها. فقد أودى الصراع بحياة عشرات الآلاف، وأجبر أكثر من أربعة عشر مليون شخص على النزوح، بينما دفعت الأزمة مناطق واسعة نحو المجاعة والانهيار الإنساني.


كما تواجه شرعية البرهان تحديات مستمرة، إذ قاد انقلاب عام 2021 الذي أنهى مسار الشراكة المدنية العسكرية، وتعتبره قوى مدنية عديدة امتدادًا للحكم العسكري أكثر من كونه بوابة لانتقال ديمقراطي أو انتخابات حرة.


ويرى التقرير أن رفض القاهرة القاطع لأي حكومات أو كيانات موازية قد يبدو دفاعًا عن وحدة الدولة السودانية، لكنه يؤدي عمليًا إلى تضييق مساحة الحلول السياسية، ويضعف فرص القوى المدنية التي قادت احتجاجات عامي 2018 و2019، والتي قد تشكل أساسًا لتسوية أكثر شمولًا واستدامة.


ويضيف أن استمرار خسارة الجيش لمناطق نفوذ أو تعثره في فرض السيطرة قد يدفع مصر إلى الدفاع عن سلطة تتقلص تدريجيًا، بينما تتراجع شعبيتها وقدرتها على توحيد البلاد.


وفي ختام التقرير، ترى الكاتبة أن القاهرة تحاول الظهور وسيطًا عبر المشاركة في المبادرات الإقليمية واستضافة لقاءات للقوى السياسية والمدنية السودانية، غير أن استمرار إعلانها دعم الحكومة التي يقودها البرهان يقلل من صدقية هذا الدور في نظر كثير من المراقبين. وتخلص إلى أن السياسة المصرية لم تعد تقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع، بل انحازت بوضوح إلى المؤسسة العسكرية السودانية، وهو انحياز قد يفرض على القاهرة تحديات أكبر إذا تغيرت موازين القوى على الأرض أو برزت تسوية سياسية لا يقودها الجيش.

 

https://moderndiplomacy.eu/2026/06/27/cairo-doubles-down-on-sudans-army-but-backs-a-fading-bet/